صديق الحسيني القنوجي البخاري
508
فتح البيان في مقاصد القرآن
ناصِيَةٍ وهي شعر مقدم الرأس ، وإنما أبدل النكرة من المعرفة لوصفها بقوله : كاذِبَةٍ أي في قولها خاطِئَةٍ في فعلها ، وهذا على مذهب الكوفيين ، فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا بشرط وصفها ، وأما على مذهب البصريين فيجوز بلا شرط . قرأ الجمهور بالجر وقرىء بالرفع على إضمار مبتدأ أي هي ناصية ، وقرىء بالنصب على الذم ، قال مقاتل أخبر عنه بأنه فاجر خاطىء فقال ناصية كاذبة خاطئة ، تأويلها صاحبها كاذب خاطىء ، وفي هذا الإسناد المجازي من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطىء . فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهل ناديه لأن النادي هو المجلس الذي يجلس وينتدي فيه القوم ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة ، ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله ، والمعنى ليدع عشيرته وأهله ليعينوه وينصروه ، قيل إن أبا جهل قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا فنزلت فَلْيَدْعُ نادِيَهُ قال ابن عباس أي ناصره . سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ أي الملائكة الغلاظ الشداد وهم خزنة جهنم كذا قال الزجاج ، وقال الكسائي والأخفش وعيسى بن عمر : واحدهم زابن ، وقال أبو عبيدة زبنية وقيل زباني بتشديد الياء ، وقيل هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه كعباديد وأبابيل ، وقال قتادة هم الشرط « 1 » في كلام العرب ، وأصل الزبن الدفع ، والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه . قرأ الجمهور سَنَدْعُ بالنون ، ولم يرسم الواو كما في قوله : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [ القمر : 6 ] وقرىء سيدعى على البناء للمفعول ، ورفع الزبانية على النيابة ، والسين في سَنَدْعُ ليست للشك فيه فإنه من اللّه واجب لأنه ينتقم لرسوله من عدوه . وعن ابن عباس قال : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي ، فجاء أبو جهل فقال ألم أنهك عن هذا إنك لتعلم أن ما بها رجل أكثر ناديا مني ، فأنزل اللّه هذه الآية فجاء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يصلي فقيل ما يمنعك فقال قد اسود ما بيني وبينه ، قال ابن عباس واللّه لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه » « 2 » أخرجه أحمد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وغيرهم . وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة قال : « قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ، قالوا نعم قال واللات والعزى لئن رأيته
--> ( 1 ) الشرط : هم الشرطة ، أو رحاب الأمن . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 96 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 1 / 256 .